
يتناول المقال تجربة الباحث والموسوعي محمد سعيد الطريحي بوصفها مشروعًا حضاريًا متكاملًا، لا مجرد مسيرة كاتب غزير الإنتاج. ويرى الكاتب أن الطريحي ينتمي إلى فئة نادرة من المثقفين الذين تعاملوا مع الثقافة باعتبارها مسؤولية أخلاقية ورسالة لإنقاذ الذاكرة الإنسانية من الضياع، لا مجرد مهنة أو موقع اجتماعي.
وُلد الطريحي في الكوفة عام 1954، وتأثر مبكرًا ببيئتها الفكرية والتاريخية، ما دفعه إلى الاهتمام بالتوثيق والجمع والتحقيق، وهو اهتمام تبلور لاحقًا في مشاريع موسوعية كبرى. ويُعد مشروعه الأبرز «موسوعة الموسم العلمية المصورة» التي بدأ إصدارها عام 1988، واستمرت حتى تجاوزت 280 مجلدًا وأكثر من 140 ألف صفحة، جامعًا فيها بين النص والصورة، وبين التحليل العلمي والبعد الجمالي، ومقدمًا رؤية تعتبر الحضارات الإنسانية نسيجًا مترابطًا لا جزرًا معزولة.
ويؤكد المقال أن «الموسم» لم تكن مشروعًا أيديولوجيًا، بل عملًا علميًا منفتحًا على مختلف الأديان والثقافات، ما منحها مصداقية واسعة. كما يتوقف عند تأسيسه «دائرة المعارف الهندية» في مومباي عام 1985، في محاولة لسد فراغ معرفي في المكتبة العربية حول تاريخ الهند وحضارتها، إضافة إلى إنجازه أكثر من مئتي كتاب ودراسة في مجالات التاريخ والأدب والدراسات الدينية وتحقيق التراث.
ويبرز المقال جهوده في تحقيق ونشر تراث الأديب العراقي جعفر الخليلي، بوصفه نموذجًا لعمله «الإنقاذي» الذي يحفظ تراث الشخصيات الثقافية من التشتت والنسيان. كما يشير إلى المناصب العلمية والثقافية التي شغلها، مؤكدًا أنها جاءت في سياق مشروعه المعرفي، لا بوصفها أهدافًا بحد ذاتها.
ويخلص الكاتب إلى أن تجربة الطريحي تمثل امتدادًا متقدمًا للموسوعية العربية الحديثة، مقارنًا إياه بكبار الموسوعيين العرب، مع التأكيد على خصوصيته في إنجاز مشروعه خارج الأطر المؤسسية، وبجهد فردي استثنائي. وفي المحصلة، يُقدَّم الطريحي بوصفه «حارسًا للذاكرة» ومثقفًا صنع من جهده الشخصي مؤسسة معرفية قائمة بذاتها، سيظل أثرها حاضرًا في الثقافة العربية المعاصرة.
نُشر هذا المقال في صحيفة التآخي، ويمكن قراءة النص الكامل عبر موقع صحيفة التآخي.
